محمد بن محمد حسن شراب
274
شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري
وقوله : نقتل إيّانا أي : نقتل أنفسنا . وقوله : أبيض : أي : نقيّ العرض . وحسّان : صيغة مبالغة من الحسن ، مثل كبّار . والشاهد في البيت الأول : إيّانا : فهو ضمير منفصل ، وضعه موضع الضمير المتصل ، لأنه لا يمكنه أن يأتي بالمتصل فيقول ( نقتلنا ) لأن الفعل لا يتعدى فاعله إلى ضميره ، إلا أن يكون من أفعال القلوب . فأنت لا تقول : ضربتني ، ولا أضربني ولا ضربتك ، بفتح التاء ، ولكن تقول : ضربت نفسي ، وضربت نفسك ، وذلك لئلا يكون الفاعل مفعولا في اللفظ ، وأجازوا هذا في أفعال القلوب ، فتقول : حسبتني في الدار . وفي فعلين آخرين هما : عدمتني ، وفقدتني فكان حقه أن يقول نقتل أنفسنا . والمسوّغ لقوله : نقتل إيانا : وقوع الضمير بعد معنى ( إلا ) وهو شاذ . وقد جوّزوا هذا في الشعر ، ومنعوه في النثر . وفي البيت الثاني : نصب أبيض ، وحسّانا ، صفتين لكلّ . . . ولو كان في النثر لجاز أن يقول « حسّانين » وصفا لكل على معناها ، لأن لفظها واحد ومعناها جمع . وقال البغدادي : يجوز جرهما صفتين لفتى ، وفتحتهما نيابة عن الكسرة لأنهما ممنوعان من الصرف . ولكننا نسلم برأي البغدادي في « أبيض » ولا نسلم به في « حسّان » لأنهم اتفقوا على أنها مبالغة في الحسن ، ومعنى هذا أن النون أصلية ، فكيف نمنعه من الصرف ، لعله جعلها مثل « حسّان » بفتح الحاء ، وفيه وجهان . [ كتاب سيبويه ج 1 / 271 ، 383 ، والخصائص ج 2 / 194 ، والإنصاف 699 ، وشرح المفصل ج 3 / 101 ] . ملاحظتان : الأولى : قولهم يجوز هذا في الشعر ، ولا يجوز في النثر ، يعجبني في الجواب عن هذا قول ابن فارس : « ما رأينا أميرا أو ذا شوكة أكرم شاعرا على ارتكاب ضرورة ، فإمّا أن يأتي بشعر سالم ، أو لا يعمل شيئا » . قال أبو أحمد : والقول بالضرورة الشعرية ، من اصطلاحات النحويين . . . ويقولون ذلك عندما يجدون كلمة في بيت شعر خالفت ما وصلهم من الشواهد . تقول : وهل وصلهم كلّ ما قال العرب من الشعر ؟ الملاحظة الثانية : البيتان المثبتان شاهدين : من الهزج ، وهذا البحر قليل جدا . في الشعر القديم . . . وإذا صحت نسبة الأبيات إلى العصر الجاهلي ، فإنها تثبت أن بعض الأشعار كانوا يقولونها للغناء والإنشاد المصحوب بالرقص الجماعي ، أو الرقص